رياض العريان… شراكة ورحلة مهنية وإنسانية صنعت صفحات مهمة ومضيئة من تاريخ الدراما العربية بداية الحكاية… رجل اسمه سعد صيام.
بقلم: د. إبراهيم أبوذكري
حين يُكتب تاريخ الإنتاج السينمائي والتليفزيوني في مصر والعالم العربي، فإن الإنصاف يقتضي ألا يقتصر على أسماء النجوم والمخرجين، بل أن يتوقف طويلًا أمام رجال حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء الصناعة نفسها. فالمنتج الحقيقي ليس ممولًا للعمل الفني فحسب، بل هو احب الرؤية، وقائد المشروع، وصانع الفرص، وحارس الجودة، والمغامر الذي يضع خبرته وماله وسمعته على المحك من أجل فكرة يؤمن بها.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم المنتج الكبير رياض العريان، رحمه الله، أحد أبرز أبناء المدرسة الكلاسيكية في الإنتاج، تلك المدرسة التي كانت ترى أن الإنتاج رسالة ثقافية ووطنية قبل أن يكون مشروعًا تجاريًا، وأن نجاح العمل يبدأ من اختيار الفكرة وينتهي بوصولها إلى الجمهور العربي.
وقد تشرفت بأن تمتد علاقتي به سنوات طويلة، جمعت بين الصداقة والعمل، حتى أصبحت جزءًا من رحلة مهنية وإنسانية صنعت صفحات مهمة من تاريخ الدراما العربية.
بداية الحكاية… رجل اسمه سعد صيام
اللافت أن أول خيط في علاقتي برياض العريان لم يبدأ بيننا نحن الاثنين، وإنما كان بطله صديق عزيز رحل عن عالمنا، هو سعد صيام، أحد أبرز خبراء توزيع البرامج في اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، والذي انتقل من العمل الحكومي إلى القطاع الخاص حاملًا معه خبرة واسعة ورؤية سبقت عصرها في تسويق الدراما العربية.
وكان لسعد معي قصة خاصة، إذ لجأ إليّ طالبًا المساعدة للحصول على إجازة بدون راتب من التليفزيون المصري حتى يتمكن من بدء تجربته الجديدة خارج مصر.
وبالفعل، أُنجزت الإجراءات، وسافر إلى اليونان، حيث بدأت مرحلة جديدة في حياته المهنية.
هناك التقى بالمنتج رياض العريان، الذي كان قد دخل في شراكة إنتاجية مع الشيخ صالح كامل من خلال شركة فيديو سين، التي تخصصت في إنتاج الدراما الموجهة للتليفزيون السعودي، وقدمت أكثر من مائة وخمسين ساعة من الأعمال الدرامية، وهو رقم كان يُعد استثنائيًا بكل المقاييس في ذلك الوقت.
لكن بقي أمام المشروع سؤال أكثر أهمية من الإنتاج نفسه:
كيف تصل هذه الأعمال إلى المشاهد العربي؟
كان رياض العريان يبحث عن جهة تمتلك الخبرة والعلاقات والقدرة على فتح أبواب الشاشات العربية أمام هذا الإنتاج الضخم.
وهنا قال له سعد صيام جملة لا أنساها:
“إذا كنت تبحث عن رجل لهذه المهمة… فلا تبحث بعيدًا، فهناك اسم واحد يملك مفاتيح هذا السوق.”
وكان ذلك الاسم… أنا إبراهيم أبوذكري.
ثقة سبقت اللقاء
في تلك الفترة كانت شركة أفلام الشاطئ، التي اتخذت من أبوظبي مقرًا لها، تُعد من أكبر الشركات العربية المتخصصة في توزيع البرامج والمسلسلات التلفزيونية، وترتبط بعقود توريد مع معظم القنوات العربية، الأمر الذي جعلها نافذة رئيسية لعبور الإنتاج المصري إلى الجمهور العربي.
والمثير أنني لم أكن قد التقيت برياض العريان من قبل، ولم تجمعنا جلسة واحدة، بل ولم نتحدث حتى عبر الهاتف.
ورغم ذلك، اتخذ قرارًا يعكس معدن الرجل وإيمانه بقيمة الثقة.
أرسل من اليونان إلى مقر الشركة في أبوظبي أكثر من مائة وخمسين ساعة من إنتاجه، دون توقيع عقد، ودون أي ضمانات قانونية، مكتفيًا بثقة كاملة في سعد صيام، وفي السمعة المهنية التي سبقتني.
واليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، أستطيع القول إن تلك الخطوة كانت من أكثر القرارات جرأة في مسيرته، وكانت أيضًا البداية الحقيقية لشراكة استمرت سنوات طويلة، وتركت أثرًا واضحًا في تاريخ الإنتاج العربي.
من عقد توزيع… إلى شراكة عمر
ما إن وصلت المواد إلى أبوظبي حتى دعوت رياض العريان للحضور.
لم يكن الهدف مجرد توقيع العقود أو تنظيم العلاقة القانونية، بل رسم رؤية متكاملة لتوزيع هذا الإنتاج في الوطن العربي، والتفكير في مشروعات جديدة تتجاوز حدود الصفقة الواحدة.
جاء رياض… وكان اللقاء الأول.
وأستطيع أن أصفه بأنه كان لقاءً مفصليًا؛ فقد التقت خبرته العميقة في الإنتاج بخبرتي في التوزيع والإدارة الإعلامية، لتنشأ بيننا علاقة مهنية سرعان ما تحولت إلى صداقة حقيقية.
بدأنا منتجًا وموزعًا…
ثم أصبحنا منتجين يتشاركان الرؤية نفسها.
وتحول التعاون في التوزيع إلى إنتاج مشترك، قدمنا من خلاله أعمالًا اجتماعية وإسلامية وتاريخية، أسهمت في إثراء الدراما العربية خلال مرحلة كانت فيها الصناعة تعيش واحدة من أكثر فتراتها ازدهارًا.
ومع مرور السنوات، تجاوزت العلاقة حدود العمل، لتصبح صداقة إنسانية امتدت إلى الأسرتين، نتشارك فيها تفاصيل الحياة كما نتشارك تفاصيل المهنة.
زمن المنتجين الكبار
ينتمي رياض العريان إلى جيل لم يكن عدد أفراده يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
جيل كان المنتج فيه مسؤولًا عن كل شيء؛ اختيار النص، واختيار المخرج، والتفاوض مع الفنانين، وتوفير التمويل، ومتابعة التنفيذ، ثم تحمل مسؤولية التوزيع محليًا وعربيًا.
لم تكن هناك منصات رقمية، ولا أدوات تسويق إلكترونية، ولا شبكات بث متعددة.
كان النجاح يُبنى بالخبرة، والعلاقات، والالتزام، والثقة.
وفي تلك المدرسة كان رياض العريان واحدًا من أكثر المنتجين فهمًا لمعنى الصناعة.
لم يكن يبحث عن الربح السريع، بل عن العمل الذي يبقى، ويضيف إلى تاريخ الفن المصري والعربي.
وكان يمتلك قدرة نادرة على تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والجدوى الاقتصادية، وهي معادلة لا ينجح فيها إلا كبار المنتجين.
الإنتاج رسالة… والتوزيع شريك النجاح
كان يؤمن بأن الفيلم أو المسلسل لا يولد كاملًا بمجرد انتهاء التصوير، وإنما تكتمل حياته عندما يصل إلى جمهوره.
ولهذا كان ينظر إلى التوزيع باعتباره جزءًا أصيلًا من العملية الإنتاجية، وليس مرحلة لاحقة لها.
وقد كان هذا الفهم أحد أسرار نجاحه، وأحد الأسباب التي جعلت أعماله تحقق انتشارًا عربيًا واسعًا في زمن كانت الأسواق تعتمد فيه على الثقة والخبرة أكثر من اعتمادها على التكنولوجيا.
حلم عربي جمعنا
من المحطات التي أعتز بها كثيرًا، مشاركته الفاعلة في الجهود التي بذلناها لتوحيد المنتجين العرب تحت مظلة واحدة، وصولًا إلى تأسيس اتحاد المنتجين العرب.
لم يكن الهدف إنشاء كيان جديد فحسب، بل بناء مشروع عربي متكامل يدافع عن حقوق المنتجين، ويعزز التعاون، ويفتح آفاقًا جديدة للإنتاج المشترك.
وكان رياض العريان من أوائل المؤمنين بهذه الفكرة، ووضع خبرته وعلاقاته في خدمتها، دون أن يسعى إلى منصب أو مكسب شخصي.
كان يرى أن مستقبل الصناعة لن يتحقق إلا بالتكامل العربي، وأن القوة الناعمة المصرية ستظل ركيزة للإبداع العربي إذا وجدت من يحافظ عليها ويطورها.
مدرسة في الأخلاق قبل الإدارة
تعلمت من رياض العريان أن النجاح لا يصنعه المال وحده، بل تصنعه الأخلاق.
كان رجلًا إذا وعد أوفى، وإذا تعاقد التزم، وإذا اختلف حافظ على الاحترام.
ولهذا اكتسب تقدير الفنانين والعاملين في الوسط الفني، لأن الجميع كانوا يعرفون أنهم يتعاملون مع رجل يحترم مهنته قبل أي شيء آخر.
وفي زمن ازدادت فيه الصراعات، ظل بعيدًا عن الضجيج، مؤمنًا بأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، وإنما يفرض نفسه بمرور الزمن.
صورة تختصر مرحلة
الصورة المرفقة تعود إلى إحدى جلسات العمل في منزلي أثناء مناقشة مسلسل “دعاء الكروان”، ويظهر فيها المنتج الكبير رياض العريان، والمخرج أحمد بدر الدين، والفنانة عايدة عبد العزيز، والفنان إبراهيم عبد الرازق.
وربما لا توثق الصورة اجتماعًا عاديًا، بقدر ما توثق مرحلة كاملة كانت تُدار فيها مشروعات فنية كبيرة حول طاولة تجمع الفكر والخبرة والإخلاص للمهنة.
كلمة وفاء
أكتب هذه السطور وأنا لا أستعيد ذكريات صديق فحسب، بل أستعيد زمنًا كاملًا من تاريخ الإنتاج العربي، كنا نحلم فيه بصناعة عربية قوية، ونعمل بإيمان راسخ بأن الفن رسالة، وأن المنتج هو أول من يتحمل مسؤولية هذه الرسالة.
رحم الله صديقي العزيز رياض العريان.
سيبقى اسمه حاضرًا بين الرجال الذين صنعوا الصناعة في صمت، وتركوا أعمالًا تشهد لهم، ومواقف لا تُنسى، وذكريات أعتز بأنني كنت شاهدًا عليها وشريكًا في بعض صفحاتها.
فالوفاء له اليوم ليس مجرد رثاء، بل هو واجب توثيقي تجاه رجل أسهم في ترسيخ قواعد صناعة الدراما والسينما العربية، وسيظل اسمه جزءًا من ذاكرة الفن العربي، تمامًا كما بقيت أعماله شاهدًا على زمن كانت الكلمة عهدًا، والإنتاج رسالة، والوطن هو الرهان الأكبر.