دكتورة القلوب وأم الإعلام المصري: رسالة وفاء ممتدة من ضفاف الذاكرة إلى قمة العطاء
بقلم إبراهيم ابوذكري
داخل قاهرة المعز وفي رحاب الفكر والوجدان ثمة أشخاص لا يعبرون في تاريخنا كعابري سبيل، بل يتركون في كل شبر مروا به أثرًا من نور، ووشمًا من طُهر لا يمحوه تعاقب الفصول. وحين أكتب اليوم عن الأستاذة الدكتورة ماجي الحلواني ، فإنني لا أكتب عن قامة أكاديمية مرّت في تاريخ الإعلام العربي فحسب، بل أكتب عن "أُمٍّ" غمرت بقلبها أجيالًا، وعن "دكتورة القلوب" التي نذرت عمرها لتبني منارات من البشر، وكنتُ أنا وعلي الرغم أني أكبرها عدة سنوات من الولادة إلا أني وما زلت واحدًا من المحتمين بدفء رعايتها، والمدينين لفضلها الذي يطوق عنقي ما حييت.
ماجي منارة 2006 : يوم ولد العملاق العربي في رحاب "الإعلام"
تأخذني الذاكرة الليلة، برومانسية مفرطة وشجن دافئ، إلى عام 2006 . هناك، حيث تشاركنا معًا، يداً بيد وقلباً بقلب، في إطلاق الدورة الثانية لملتقى المنتجين العرب.
كان ذلك المحفل الثقافي والإعلامي الكبير قد ولد عملاقًا ليحمل على عاتقه مهمة مقدسة: رسم ملامح الهوية الفنية والإعلامية العربية في زمن تلاطم فيه الأمواج الثقافية.
في ذلك الوقت، تحولت أروقة الندوات والفعاليات إلى ساحات فكر حقيقي، وجسور تلاقٍ عبرت بين بيت العرب الأكبر "جامعة الدول العربية"، وبين أعرق منارات الشرق "جامعة القاهرة". ولا زالت الذاكرة تنبض بوعي وثقافة تلك الأيام التي استضفنا فيها معالي المفكر والأديب الدكتور رياض نعسان آغا ، وزير الثقافة السوري الأسبق، الذي حلّ علينا ضيفًا من ياسمين الشام، فأثرى عقولنا بفكره العروبي الأصيل في ندوة تاريخية امتد أثرها المعرفي لسنوات وسنوات.
لقد كانت لحظات استثنائية بكل المقاييس؛ لحظات تلاقت فيها أجيال الإبداع، واحتضنت فيها الأستاذة الدكتورة ماجي الحلواني وبعون ومؤازرة وكيل عمادتها آنذاك الأستاذ الدكتور حسن عماد مكاوي طموح المبدعين العرب. فكانا معًا صمام الأمان لنجاح هذا المحفل، والوجه المشرق والبهي لجامعة القاهرة العريقة.
لمسة الوفاء ودَين العمر
كم كانت هيبتكِ ساحرة يا دكتورة ماجي، وأنتِ تكرمين رموز وصنّاع الفن والإعلام العربي بلمسة وفاء من يديكِ الكريمتين! وفي ذلك اليوم المشهود، امتدت هاتان اليدان لتطوقا عنقي بتكريم غازل أحلامي، وتحت سقف منارتنا الشامخة، وضمن كوكبة من رموز خريجي كلية الإعلام الذين شرفوا بريادتك وعمادتكِ لها.
وأقسم بالله العلي العظيم، منذ تلك اللحظة وأنا أشعر بأني مدينٌ لكِ، ولكل تلاميذكِ، ولكل من ينبض قلبكِ بحبهم، بودٍّ خالص، وتقديرٍ راسخ، ودعمٍ مطلق لا يمكن أن ينضب أو ينتهي، طالما في صدري نفسٌ يصعد ويهبط، وطالما هناك قلبٌ في أضلعي ما زال يتدفق شهيقًا وزفيرًا."*
انتصارات متلاحقة: الأم التي زرعت العمداء في أنحاء الوطن
منذ ذلك التاريخ البعيد في 2006، وحتى يومنا هذا، لم أكن مجرد مشاهد في مسيرتك الحافلة، بل كنت وبكل فخر متابعًا عاشقًا لعطائك، وداعمًا مستبشرًا بكل خطوة تخطينها. وكنت أعلل دائمًا سر نجاحك المتجدد بـ انتصاراتك المتلاحقة في خدمة أبنائك وبناتك.
إن أعظم انتصارات الدكتورة ماجي الحلواني لا تتجسد في المناصب ولا في الأوراق الأكاديمية، بل تتجسد في تلك الشتلات النبيلة التي زرعتها بيديها؛ فاليوم، لا توجد كلية إعلام أو مؤسسة أكاديمية في طول الوطن العربي وعرضه، من الخليج إلى المحيط، إلا وترأسها أو يدرّس فيها أحد أبنائها وبرفقة أساتذة وعمداء تخرجوا من مدرستها، وتشربوا من فيض علمها وأخلاقها. كل نجاح يحققه عميدٌ هنا، أو أستاذةٌ هناك، هو انتصار شخصي لكِ، وتأكيد على أن غرسكِ كان طيبًا فأخرج ثمره بإذن ربه.
من وراء الكلمات
يا دكتورة القلوب، ويا أم الإعلام المصري وروحه النابضة..
إن الكلمات تضيق وتتوارى خجلًا أمام جلال قدركِ وعظيم فضلكِ. لكنها نبضة قلب أردتُ لها أن تخرج لتسجل في صحائف الأيام أن الوفاء لكِ فرض، وأن حبكِ جبلت عليه قلوب تلاميذك.
لكِ مني كل الإجلال، والتحية، والتقدير الذي لا ينتهي.. ودام فيض عطائك يملأ الدنيا نورًا وبهاءً.