“ماسبيرو بين الذاكرة والتجدد… حين تفتح قرارات الإدارة أبوابًا لجيل جديد”
إبراهيم ابوذكري
في لحظة فارقة من عمر الإعلام المصري، تتجه الأنظار إلى مبنى ماسبيرو العريق، حيث تتداخل ذاكرة التاريخ مع ملامح المستقبل، وتُقرأ التحولات الجارية داخله باعتبارها مقدمة لمرحلة إعادة تشكيل هادئة لكنها عميقة.
ومع القرارات التنظيمية الأخيرة التي يشرف عليها الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، بدا واضحًا أن هناك اتجاهاً جادًا لإعادة ترتيب البيت الداخلي، لا على أساس التغيير الشكلي فقط، بل عبر رؤية تستهدف استعادة الحيوية المؤسسية وفتح المجال أمام دماء جديدة قادرة على مواكبة العصر.
ماسبيرو، هذا الصرح الذي حمل ذاكرة الأمة البصرية والصوتية لعقود، يبدو اليوم وكأنه يراجع عمره المهني؛ مبنى شاخ بالشكل، لكنه لم يفقد قيمته الرمزية، وإن كانت بعض مفاصله قد أثقلتها السنوات.
ومع تزايد الحديث عن إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي، ومع الإشارة إلى سياسات عدم التجديد بعد سن الستين وفق الأطر القانونية المنظمة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد لا تكون مجرد تغيير إداري.
هذه الرؤية، كما تتضح في سياقها العام، تقوم على إعادة توزيع الفرص داخل ماسبيرو، وإتاحة مساحات أوسع للكوادر الشابة، سواء في التقديم أو الإنتاج أو الإدارة الإعلامية، مع الاستفادة من خبرات الأجيال السابقة في إطار تكاملي لا يقوم على الإقصاء، بل على نقل الخبرة وتدويرها داخل منظومة أكثر مرونة.
وفي ظل الحديث عن إعادة الهيكلة وتطبيق الأطر القانونية المنظمة لسن الخدمة، يبرز مفهوم “إعادة التوازن” داخل المؤسسة، بحيث يُفسح المجال تدريجيًا أمام جيل جديد يمتلك أدوات العصر: من المهارات الرقمية، إلى فهم منصات البث الحديثة، إلى القدرة على إنتاج محتوى يناسب جمهورًا تغيرت عاداته الإعلامية بالكامل.
إنها ليست مجرد حركة إدارية، بل محاولة لإعادة تعريف ماسبيرو نفسه؛ ذلك الصرح الذي حمل لعقود طويلة صوت الدولة وصورة المجتمع، والذي يقف اليوم أمام فرصة حقيقية ليعود أكثر قربًا من نبض الشارع، وأكثر التصاقًا بإيقاع التكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا السياق، تبدو قرارات إدارة الهيئة، بقيادة أحمد المسلماني، وكأنها تضع إطارًا لمرحلة انتقالية دقيقة: مرحلة تُوازن بين احترام تاريخ المؤسسة، وفتح النوافذ أمام شباب ينتظرون فرصة ليصنعوا خطابًا إعلاميًا جديدًا، أكثر حيوية وجرأة وقدرة على المنافسة.
هكذا يقف ماسبيرو اليوم على عتبة زمن مختلف؛ لا يقطع مع ماضيه، لكنه يعيد ترتيب ملامحه، استعدادًا لمرحلة قد تعيد إليه شيئًا من بريقه القديم، ولكن بلغة المستقبل.