إصلاح الدراما المصرية يبدأ من أهل الصنعة لا من اللجان والمناظرات التليفزيونية
ابراهيم ابوذكري
مع كامل الاحترام والتقدير لكل اللجان التي تُشكَّل لبحث أزمة الدراما والإعلام في مصر، ورغم ما تضمّه من رموز ووجاهات، تبقى إشكالية جوهرية: غياب من خاضوا تجربة صناعة الدراما بأموالهم الخاصة، وعرفوا تضاريسها الخفية، وأوجاعها الحقيقية، ومنابع أزمتها.
الدراما ليست فكرة نظرية تُناقَش من وراء المكاتب، بل صناعة لها اقتصادها، ومخاطرها، وسلاسل توريدها، ومواسمها، وعلاقاتها المعقّدة مع السوق.
من لم يواجه ضغط الميزانيات، وتقلبات التوزيع، وتغيّر أذواق الجمهور، وصعوبات التسويق العربي، لن يرى المرض كما هو، ولن يصف الدواء المناسب.
كما يبرز جليا غياب الخبرة الميدانية بأسواق الدراما العربية بمصر ، وهي أسواق تُحدِّد إلى حد بعيد فرص النجاح أو التعثر.
فالدراما يتعامل المجتمعون بانها صناعة مصريه ويطلقون عليها الدراما المصرية وهذا أول خطأ شائع وتشخيص خاطئ للمرض فتكتب روشتة خاطئة .. والحقيقة الطاهرة للعيان أن الدراما هي سلعة عربية بامتياز، تتنقّل بين لهجات وثقافات، وتخضع لقوانين عرض وطلب وسلوكيات مشاهدة متغيرة. من لا يعرف هذه المعادلات على الأرض، لن يستطيع رسم خريطة تعافٍ حقيقية.
لقد اعتادت الدولة لسنوات الاعتماد على نوعية واحدة من الخبرات: كتاب صحفيون ومتحدثون إعلاميون. وهي خبرات لها قيمتها، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة قرار صناعي وتجاري في مجال مركّب كالإنتاج التلفزيوني.
النتيجة المتكررة لنفس نوعية اللجان المتكررة : لجان تبحث عن علاج لمرض لم تعشه، فتدور في دائرة الوصف النظري دون تشخيص دقيق فيصعب علي الدولة كتابة روشتة علاج ،
إن تشخيص الأزمة يبدأ بالاعتراف بأن هروب المستثمرين من المجال ليس لغزًا، بل نتيجة تراكمية لبيئة إنتاج غير جاذبة، ومخاطر غير محسوبة، وغياب آليات توزيع فعّالة، وتباين بين المحتوى المطلوب والسوق المستهدف. ومن هنا، فإن إشراك المنتجين الذين خاضوا التجربة فعليًا، وخبراء التوزيع، وممولي الصناعة، ليس ترفًا بل ضرورة.
الإنتاج التلفزيوني، هندسيًا وبرامجيًا، هو الوعاء الأشمل تجاريًا وصناعيًا ومحتوًى لفنون الاتصال والتواصل. وإذا أُريد للدراما أن تستعيد دورها القيادي عربيًا، فلا بد من نقل مركز الثقل من التنظير إلى الخبرة العملية، ومن التمثيل الشكلي إلى الشراكة الحقيقية مع أهل الصنعة.
إن حب هذا البلد والخوف على مستقبله الثقافي والاقتصادي يفرضان قول هذه الملاحظات بصدق ومسؤولية. فالإصلاح ممكن، لكنه يبدأ حين تجلس الخبرة الميدانية على طاولة مع صناع القرار، وتُبنى السياسات على معرفة المرض وأسباب الإصابة به لا على تخمينه.
شهدت صناعة الإعلام والدراما في مصر خلال السنوات الأخيرة تعقيدات متراكمة جعلت بيئة الإنتاج طاردة للاستثمار الإعلامي، ليس فقط للمستثمر الأجنبي بل وحتى للشركات المصرية نفسها. فقد أصبحت آليات تنفيذ العمل داخل البلاد أكثر كلفة وتعقيدًا وضغطًا نفسيًا وماليًا على المنتج والممول معًا، ما دفع الغالبية العظمى من المنتجين المصريين إلى تأسيس شركات عاملة في منطقة الخليج وإدارة مشروعات الدراما المصرية