السادة الأفاضل : عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة

مكتوب بواسطة Abouzekri
  • منذ 10 يوم
  • 76


السادة الأفاضل : عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة

فيلم السادة الأفاضل
عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة 
ابراهيم ابوذكري 
وسط هذا الزخم الكبير الذي أعيشه في كواليس صناعة الأعمال السينمائية والدراميّة والإعلامية ، أبقى دائمًا شغوفًا بمشاهدة الأفلام والمسلسلات، لا بصفتي أحد صُنّاعها او لغرض النقض الأدبي أو حتي المهني ، بل كمشاهد عادي يقضي جزءًا من وقته المقتطع من العمل وضغوط الحياة اليومية أمام الشاشة. أبحث عن مساحة مؤقتة لفصل الذهن عن متاعب الواقع، ووسيلة لالتقاط أنفاسي بعيدًا عن التفكير المستمر في العمل ومسؤولياته.

ولم أكن يومًا من المهتمين بالنقد الفني أو الأدبي إلا في أضيق الحدود، إذ انشغلت معظم كتاباتي بالشأن المهني والسياسي والاجتماعي. والجلوس امام الشاشة الصغيرة بالنسبة لي أداة للراحة الذهنية لا أكثر، ونافذة للهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية.

لكنني وجدت نفسي هذه المرة مدفوعًا إلى الكتابة، وبشكل غير مخطط له، بعد مشاهدة فيلم السادة الأفاضل. وقبل أن تتبدد انطباعات المشاهدة أو تُنسى تفاصيلها، آثرت أن أدوّن هذه السطور، لا كناقد محترف، بل كمشاهد أثار فيه الفيلم أسئلة وانفعالات تستحق التوقف عندها.

يقدّم فيلم السادة الأفاضل تجربة سينمائية صادمة، لا من حيث الجرأة فقط، بل من حيث اختياره المتعمّد لعالم خالٍ تمامًا من أي بارقة أمل أخلاقية. منذ اللحظة الأولى، يبدو الفيلم كواجهة براقة لموقع إخباري يجذبك باسمه الرنّان، فتدخله متوقعًا محتوى راقيًا، لتفاجأ بأن كل ما فيه «شِمال»، وأن العنوان ما هو إلا مفارقة ساخرة تخفي خلفها عالمًا شديد القتامة.

المؤلف يتبنّى رؤية سوداء إلى أقصى حد، إذ لا يقدّم شخصية واحدة إيجابية أو حتى متوازنة يمكن أن تمتص هذا الكم الهائل من السواد. القرية التي تدور فيها الأحداث تتحول إلى نموذج مصغّر لعالم فاسد بالكامل، تُباع فيه القيم الأخلاقية والإنسانية بلا تردّد، ويصبح المال هو المحرّك الوحيد لكل العلاقات.
الزوج يبيع زوجته، والأب يخذل أبناءه، والأم تتخلّى عن إنسانيتها، والأصدقاء والأشقاء يتبادلون الغدر والخيانة دون أي صراع داخلي يُذكر. حتى الأطفال، رمز البراءة المعتاد، لم يسلموا من هذه الرؤية القاتمة؛ فالطفل الوحيد الذي ظهر في الفيلم قُدِّم هو الآخر باعتباره مشروع فساد مبكر، وكأن المؤلف يصرّ على القول إن العطب متجذّر منذ الطفولة.

الفيلم لا يكتفي بإدانة شخصيات بعينها، بل يذهب إلى تعميم الإدانة على الجميع: لا استثناءات، لا درجات، ولا مناطق رمادية. كل الصفات المكروهة من طمع وجشع وكذب ونفاق وخيانة وغدر تجمّعت في عمل واحد، ثم أُطلق عليها ـ في سخرية لاذعة ـ اسم السادة الأفاضل.
هذه المفارقة في العنوان تمثل أحد أهم عناصر قوة الفيلم، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا إشكاليًا: هل أراد المؤلف تعرية المجتمع بحدة الصدمة، أم أنه سقط في فخ التعميم المفرط الذي يفقد العمل توازنه وصدقيته؟

فنيًا، قد يُحسب للفيلم شجاعته في كسر التابوهات ورفضه للتجميل الزائف للواقع، لكنه أخلاقيًا يضع المشاهد في مأزق. فغياب أي نموذج إيجابي أو حتى شخصية تقاوم الفساد، يجعل التجربة خانقة، ويدفع المتلقي إلى الشعور بأن الشر قدر مطلق لا فكاك منه. هنا يتحول النقد الاجتماعي من أداة للتنوير إلى حالة من اليأس الكامل.

السادة الأفاضل فيلم يستحق التوقف عنده، ليس لأنه مريح أو مُرضٍ، بل لأنه مستفز ومربك. هو عمل يقول لك بوضوح: «هذا عالمكم كما أراه»، ويتركك بعد النهاية تتساءل: هل كان الهدف فضح القبح كي نرفضه، أم تكريسه بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة؟
وربما تكمن قيمة الفيلم الحقيقية في هذا السؤال المعلّق، لا في إجاباته القاسية.


السادة الأفاضل : عندما تغيب كل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الشاشة


قناة الإتحاد
إستطلاعات الرأي